ما زلت أذكر: "الحب هو ما حدث بيننا. والأدب هو كل ما لم يحدث."
يمكنني اليوم، بعد ما انتهى كل شيء، أن أقول: هيئاً للأدب على فجيعتنا إذن، فما أكبر مساحة ما لم يحدث. إنها تصلح اليوم لأكثر من كتاب.
ومهيئاً للحب أيضاً.
فما أجمل الذي حدث بيننا. ما أجمل الذي لم يحدث. ما أجمل الذي لن يحدث.
قبل اليوم، كنت أعتقد أننا لا يمكن أن نكتب عن حياتنا إلا عندما نهرب منها.
عندما يمكن أن نلمس جراحنا القديمة بقلم، دون أن تألم مرة أخرى.
عندما نقدر على النظر خلفنا دون حنين، دون جنون، ودون حقد أيضاً.
أيمكن هذا حقاً؟
نحن لا نهرب من ذاكرتنا.
ولهذا نحن نكتب، ولهذا نحن نرسم، ولهذا نموت بعضنا أيضاً.
أتريد قهوة؟
يأتي صوت عتيقة غائباً، وكأنه يطرح السؤال على شخص غيري. معتذراً دون اعتذار، على وجه للحزن لم أحلمه منذ أيام.
تخذلني صوتي فجأة.
أجيب بإشارة من رأسي فقط.
فنـنسحب لنعود بعد لحظات، بصينية قهوة نحاسية كبيرة عليها إبريق، وفناجين، ومكسّرات، ومرض لماء الزهر، وصحن للحلويات.
في مدن أخرى تُقدّم القهوة جاهزة في فنجان، ووضعت جواره مـباً ملعقة وقطعة سكّر.
ولكن قسنطينة مدينة تكره الإيجاز في كل شيء.
إنها تفرد ما عندها دائماً. فأماماً كما تلبس كل ما تملك. وتقول كل ما تعرف.
ولهذا كان حتى الحزن وليمة في هذه المدينة.
أجمع الأوراق المبعثرة أمامي، لا لأن لديك مكاناً للفنجان القهوة وكأنني أصنع مكاناً لك.
بعضها مسودات قديمة، وأخرى أوراق بيضاء تنتظر منذ أيام بعض الكلمات فقط. كي تدبّ فيها الحياة، وتتحول من ورق إلى أيام.
كلمات فقط، اجتازت بها الصمت إلى الكلام، والذاكرة إلى النسيان، ولكن...
تركت البكر جانباً، وارتشفت قهوتي مرة كما عودتني حبك.
فكّرت في غرابة هذا الطعم العذب للقهوة المرة. ولحظتها فقط،
في باي ريدج، المقاهي تقدّم القهوة في أكواب ورقية. اسمك مكتوب عليها خطأً أو أي شيء قريب ولكن ليس أنت.
لا أحد يسأل: "أتريد قهوة؟" بذلك الصوت الذي يحمل تاريخاً كاملاً.
هنا، القهوة سريعة. عملية. تشربها وأنت تمشي.
ولهذا لم أعد أشرب القهوة بنفس الطريقة.
كنت أكره تونس. كنت أحلم بأمريكا قبل أن أعرفها. أحلم بالنظام، بالشوارع النظيفة، بالمواعيد التي يحترمها الناس.
وصلت ، ووجدت كل ذلك.
البرد. الثلج. الصمت.
صمت لم أعرفه من قبل. ليس صمت التأمل، بل صمت الفراغ.
في تونس، حتى الصمت له صوت. الباعة في الشوارع، أذان الفجر، جارتنا التي تغسل الأواني في العاشرة ليلاً.
هنا، لا شيء.
وبدأت أبحث عن تونس في كل مكان.
العودة التي لم تحدث
عدت إلى تونس بعد سنتين. ظننت أنني سأشعر بالانتماء أخيراً.
ولكن الشوارع كانت أضيق مما أتذكر. الناس أبطأ. الحرارة لا تُحتمل.
جلست مع عائلتي، وأدركت أنني أفكر بالإنجليزية.
أتكلم العربية، ولكن أفكر بلغة أخرى. كأنني أترجم نفسي باستمرار.
قالت أمي: "رجعت أمريكانية."
لم تكن تمدحني.
الآن، أجلس في بروكلين. أسمع العربية في الشارع. قلبي يقفز.
أقترب. ألاحظ. اللهجة مصرية. أو سورية. أو فلسطينية.
ليست تونسية.
وأشعر بخيبة أمل صغيرة، سخيفة.
لأنني أبحث عن شيء لا يمكن العثور عليه هنا.
تونس في أمريكا غير موجودة.
وتونس في تونس لم تعد موجودة أيضاً.
أو ربما أنا من لم يعد موجوداً في أي مكان.
ما أجمل الذي لم يحدث
يمكنني أن أقول الآن: ما أجمل أن تكون من مكانين ولا تنتمي لأي منهما.
ما أجمل أن تشتاق لبلد وأنت فيه.
ما أجمل أن تحمل لهجتين في فمك، ولا تعرف بأيهما تحلم.
هذا هو الأدب. هذا هو كل ما لم يحدث.
الحب الذي لم أعشه مع تونس عندما كنت فيها.
والانتماء الذي لن أجده في أمريكا مهما طال بقائي.
ولكنني أكتب. لأن الكتابة هي المكان الوحيد حيث يمكن أن يوجد الاثنان معاً.
حيث بروكلين وتونس، الإنجليزية والعربية، الرحيل والعودة، كلها تلتقي على الورقة البيضاء التي كانت تنتظر منذ أيام.
الآن، لديها حياة.
وأنا، ربما، لدي بيت.